التخطي إلى المحتوى
غزة: مسابح نسائية ملوثة..وامراض جلدية وتنفسية تصيب مرتاديها

دبي فايف-كتبت..ماجدة البلبيسي..مرّ عامٌ كاملٌ على الحادث الذي تعرّضتُ له خلال دورة السباحة التي انتسبت اليها في أحد المسابح ( الخمس نجوم) وذات الجودة العالية من حيث التجهيزات وفق ما يروج له الكثيرون، ما زلت أعاني من آثار مادة الكلور على جلدي والتي سُكبت كما تبين بكثرة دون مراعاة للمعايير المطلوبة”.

تسرد سمر الدريملي قصتها “التحقت بدورة سباحة في أحد المسابح المعروفة، بإشراف مدربين/ات من داخل القطاع وخارجه، مرت الأيام الثلاثة الأولى دون مشاكل، في اليوم الرابع، ما إن دلفت قدماي المسبح، شعرت بأن رائحة الكلور قوية ونفاذة، أبلغت المدربة بذلك فلم تلق بالاً وردت” إنها عادية مثل كل يوم”.

بدأت أشعر بحرقان شديد في عيوني وكأنها ميّة نار، بلغتُ المدربة كان ردها: “بعد ساعتين كل شيء سينتهي”، ولكن مرت ساعات وأيام وأنا على هذا الحال، لم أتمكن من رؤية كل ما يحيط بي بوضوح، ضباب يحجب رؤيتي للأشياء، أسرعت لطبيب عيون، بادرني بسؤال أوحد هل سبحت في المسبح؟ أجبت بنعم.

التشخيص كان التهاباً شديداً في قرنية العين كاد يودي ببصري، على إثر ذلك ما زالت أخضع لمتابعة دورية عند طبيب عيون، الآثار ما زالت حاضرة حيث لم تحتمل عيوني أن تلمس أي شيء ساخن وان كانت كفتا يداي، فضلاً عن عدم قدرتي على التركيز في الضوء .
تضيف بنبرة سخط: “توجهت بعد الإصابة لإدارة المسبح، وضعتهم في صورة ما حلّ بي، ولكن لم ألق اهتماما واضحاً من قبلهم، وجاء الرد “يبدو أن عندك مشاكل سابقة… هذا غير حقيقي”، استرديت رسوم الدورة، ولم أتمكن حينها من متابعة الموضوع ونحيته جانباً.”

لا مساحة

” لا يوجد مساحة حرية أمامنا كنساء للترفيه والاستمتاع بالسباحة في البحر كالرجال، هذا ما يدفعني وأسرتي للتوجه للمسابح الخاصة التي تعود ملكيتها لبعض العائلات، رغم توجسي من نظافتها “.

تقول في ذات السياق نادية مقاط ذات الثلاثين عاماً:” في المسابح أجد حرية أكبر، فلا داعي للتقيد بالزي الشرعي للسباحة وتغطية الشعر، عدا عن وجود مساحة آمنة لأطفالي بالإضافة إلى كونها مغلقة تجعلني قادرة على رصد ومتابعة تحركاتهم”.
الوضع الاقتصادي كذلك يلعب دورا في توجهي للمشاركة في السباحة مع أخواتي والصديقات والجيران، بالتالي تنخفض كلفة الرحلة، مقارنة بتكلفة الاستراحات المنتشرة على شاطئ البحر، حيث أحتاج لأضعاف ما أدفعه في رحلة تمتد ( 12) ساعة يومياً”.
ومن المهم الإشارة، إلى انتشار مسابح خاصة تابعة للعائلات الثرية كمشاريع استثمارية في الآونة الأخيرة، بحيث تدر عليهم دخلاً إضافيا، ما يدفع الأسر من ذوي الدخل المتوسط وفي ظل محدودية الخيارات أمامهم إلى ريادة المسابح الخاصة كقِبلةٍ يُولون إليها لقضاء إجازتهم الصيفية.

لا بديل

بنفس مضمون الكلمات السابقة عبرت ” أم حمادة” المرأة العشرينية عن قلة حيلتها واستيائها من قلة الأماكن الترفيهية والترويحية الخاصة بالنساء في قطاع غزة، وأنها تتوجه لتلك المسابح رغم عدم رضاها عن مستوى نظافتها وطهارتها، متسائلة؟ ما البديل عن ذلك!.

انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وارتفاع درجات الحرارة لمستوى لم يُعهد من قبل، يدفع أم حمادة كغيرها من النساء للهرب من لهيب الشمس إلى تلك المسابح لتجد ضالتها وللتخفيف من الضغوطات النفسية التي تواجهها، والترفيه عن أطفالها الأربعة في الإجازة الصيفية.

آيات سامي ترى بأن الظروف هي التي تتحكم في توجهها للمسابح أو البحر، تشير: “زوجي رجل متعصب غيور، لا يمنحني فرصة السباحة في البحر رغم عشقي له، حيث نشأت في مدينة ساحلية خارج الوطن، وكنت أمارس السباحة يومياً”.
وتعد السباحة في المسابح هي أكثر حفظا لخصوصية المرأة، فحتى لو مارست السباحة بالزي الشرعي إلا أن العيون تلاحق النساء في ظل مجتمع شرقي، الأمر الذي ما يزال يضع قيوداً وشروطاً على تحرك النساء وممارسة هواياتهن.

الاختصاصي والخبير في قضية التلوث المائي، الدكتور أحمد حلّس اعتبر من وجهة نظر مهنية وعلمية مستندة على دراسات وأبحاث سابقة أن المسابح العامة تفتقد لمعايير وشروط الصحة العامة، وضعف المراقبة من قبل الجهات الرسمية. وأن مستلزمات التعقيم والتطهير غير متوفرة في تلك المسابح، وأن الكلورة ليست كافية لقتل البكتيريا الناجمة عن التلوث، وأن نظام الفلترة المعمول به أيضا يعجز عن قتل الميكروبات.

مسابح تجارية

أما فيما يتعلق بالمسابح التجارية التي انتشرت في الآونة الأخيرة -فحدِث بلا حرج-وفق رأي حلس، متسائلا إن كانت المسابح العامة لا تحظ بالرقابة والمتابعة، فما بال المسابح التي تدشن من قبل أشخاص قليلي الخبرة بهذا الشأن، محذرا من الخطورة المترتبة من السباحة في تلك المسابح، خاصة على النساء والأطفال.

يضيف الدكتور حلس أن المواد التي تكفل تعقيم وتنقية مياه المسابح بالإضافة إلى الكلور وبنسبة معينة، مثل الأشعة فوق البنفسجية والأوزون، غير متاحة في حالتنا. وأن الأعوام السابقة شهدت العديد من الشكاوى الصحية الناجمة عن تلوث المياه، خاصة المسابح لعدم تجدد مياهها بشكل دوري.

لم تتطابق

وقد أجرى مؤخراً فريق متخصص ضم بجانب حلس مدير دائرة التوعية البيئية في سلطة جودة البيئة الفلسطينية د. أمل صرصور الباحثة في المجلس الفلسطيني للبحث الصحي والأستاذ أيمن الرملاوي مفتش الصحة في وزارة الصحة الفلسطينية، أجروا دراسة لتقييم المحتوى الميكروبي (التلوث البيولوجي) وكفاءة التطهير لأهم المسابح العامة في قطاع غزة وذلك للتثبت من مدى مطابقتها للمعايير الدولية والتشريعات البيئية والصحية المحلية لضمان الأمان الصحي تجاه مرتاديها من الأطفال وذوي المناعة المنخفضة.

استعان الباحثون بالنتائج والتحاليل التي أجرتها وزارة الصحة على مدار أربعة أعوام مضت (2013-2010) حيث أثبتت الدراسة أن 100% من العينات التي سُجلت لم تتطابق مع معايير منظمة الصحة العالمية، فيما بينت 75% من العينات عدم تطابقها مع مستوى الحموضة المطلوبة كعنصر رئيس في عملية التطهير ضد البكتيريا والجراثيم.

ووفق الدراسة فإن ما نسبته 57% من العينات المسجلة كانت ملوثة بمجموعة البكتيريا القولونية وأن 39% من العينات التي سجلت في الدراسة كانت ملوثة بالبكتيريا.
وبينت الدراسة أن المنحنى العام (الانحدار) للفحوصات خلال أعوام الدراسة الأربعة (2010-2013) أظهر ارتفاعا ملحوظاً في نسب التلوث ضمن المسابح المدروسة عاما بعد عام.

إهمال ملحوظ

وخلصت الدراسة إلى أن إهمالا ملحوظا في عملية مراقبة ومتابعة المسابح العامة وتطهيرها من الميكروبات الممرضة من قبل الجهات المخولة بذلك.

وأوصت الدراسة الجهات الحكومية المسؤولة بتركيز وتكثيف الجهود وتحمل المسؤولية تجاه مراقبة المسابح العامة في القطاع، وتطهير المرافق المائية العامة بشكل مستمر لضمان سلامة مرتاديها.
كما أوصت الدراسة بتحمل الجمهور لمسؤولياته بالتحري الدوري للمرافق العامة والصحي منها؛ لضمان سلامتهم وسلامة أطفالهم من الأمراض خاصة المعدي والخطير منها.

الدكتور رامي ترزي المتخصص بالأمراض الجلدية، أكد أن هناك بالفعل زيادة ملحوظة في الأمراض الجلدية الناجمة عن السباحة في المسابح الخاصة، تحديداً وسط النساء والأطفال، وأهم هذه الأمراض تواليل باطن الأقدام الناجمة عن عدوى فيروسية يتم التقاطها نتيجة المشي على أرضيات المسابح الخارجية وهي تصيب النساء بشكل خاص .

يتابع في ذات الشأن أن سعفة القدم من الامراض المتعلقة بالمسابح والناجمة عن عدوى فطرية، وتتمثل بحكة مع طفح جلدي وتشققات وبثور ما بين الأصابع.

جفاف الجلد والشعر

كما أن هناك مشاكل صحية ناجمة عن كلورة المسابح بكميات لا تتوافق مع معايير منظمة الصحة العالمية من (1- 3 ملجرام لكل لتر ماء) ما يؤدي إلى تساقط الشعر وجفاف الجلد والشعر نتيجة التصاق الكلور كيميائياً بالبروتين في الشعر محدثاً التهابات. كما أن الكلور يعمل على تهيج مناطق حساسة في العيون، الأنف والرئتين والقصبة الهوائية خاصة لدى مرضى الربو والجهاز التنفسي.
ويعد الإسهال أكثر الشكاوى التي نستقبلها، وفق الدكتور ترزي، وذلك اثر ابتلاع جرعات من الماء الملوث بالبكتيريا القولونية، ومخلفات البراز.

توجيهات

يوصى ترزي بضرورة الاستحمام قبل وبعد السباحة في المسابح لتفادي الميكروبات والبكتيريا، ويفضل لبس غطاء بلاستيك على الرأس لحماية الشعر، نظارات السباحة لحماية العيون، وانتعال الحذاء بعد السباحة وعدم المشي على أرضيات المسابح الخارجية دون حذاء.

كما أوصى بفلترة المسابح بشكل يومي على مدار الساعة، لضمان تجدد المياه، وكلورة المياه بنسب معينة للتخلص من المواد والمركبات العضوية، والامتناع عن السباحة في حالة الاصابة بالنزلات المعوية خاصة الإسهال، عدم التبول في أحواض السباحة وتشديد الرقابة الحكومية على المسابح لتجنب العديد من الأمراض من خلال أخد عينات دورية من المسابح وفحصها.
رئيس قسم مراقبة المياه بوزارة الصحة د. خالد الطيبي أشار بأن دور الوزارة يجمع ما بين الدور الاستشاري والرقابي، والتي تقوم بجولات ميدانية ضبطية مفاجئة على أماكن السباحة المنتشرة سواء كانت الشاليهات أو المنتجعات السياحية أو الاستراحات للتفتيش والتأكد من مدى مراعاتها للشروط الصحية أهمها الفلترة والكلورة، ووسائل الأمان الصحي وغيرها من الشروط البالغة 22 شرطاً.

وقال:” في حالة وجود خلل بتلك الشروط نعطي إنذارات لوقف العمل بها لحين الالتزام بالشروط، ومن ثم نتوجه للجهات القانونية، حيث هناك لجنة مشكّلة لهذا الغرض في هذا الموسم تضم كل من وزارة السياحة والآثار، الداخلية، الصحة، الدفاع المدني والحكم المحلي كذراع للبلديات”.

اغلاق مسابح

ولفت انه جرى في الآونة الاخيرة حصر جزء كبير من الشاليهات التي وصلت (100) شاليه لمتابعتها، وإنذارها في حالة الخلل، كاشفا أنه جرى إغلاق (6) برك جلدية في محافظة شمال غزة، (2) في المدينة نتيجة عدم استيفائها للشروط الصحية، وهناك عدد آخر جرى إخطارها لتصويب اوضاعها.

فيما يتعلق بالمسابح الشخصية ( العائلية) سيتم إرسال اخطارات لها للحصول على التراخيص اللازمة بعد الاستئذان من مالكيها لدخلوها؛ حفاظا على مصلحة وحياة المواطنين، الذين أصبحوا يرتادون هذه المسابح بشكل ملحوظ، خاصة المتدنية الأسعار والقليلة الجودة، وسيتم التعامل معها قانونيا في حالة وجود خلل، خاصة أن من يقوم بإدارة هذه المسابح أشخاص غير مؤهلين لذلك.

رغم القيام بالدور الرقابي والمتابعة إلا أننا لا نستطيع أن نقر بأننا نسيطر على وضع جميع المسابح، ولكننا بحاجة أكبر للمراقبة والضبط، ونقوم بأخذ عينات دورية تخضع للنتائج وبناء عليها، يجرى اتخاذ الإجراءات اللازمة.

اتخاذ اجراءات

يضيف الطيبي أنه تم اتخاذ إجراءات لنحو ( %30-%40 ) من المسابح التي تعتبر ملوثة، موضحاً أن أزمة الكهرباء وانقطاعها لساعات طويلة يُعطل عمل الفلترة والكلورة في المسابح، عدا عن الحصار المفروض على القطاع وعدم القدرة على استيراد أجهزة تعقيم أكثر جودة، واصفاً وضع غزة بأنه كارثي.

ودعا الطيبي المواطنين إلى توخي الحيطة والحذر والتقيد بالإرشادات والتعليمات والتبليغ عن أي خلل يشاهدونه أثناء الاستجمام، والتوجه لمكاتب الشكاوي الخمس المنتشرة في محافظات القطاع، معتبرا أن حواس المواطن هي المختبر الأصدق والأكثر قدرة على التقييم .

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

X
عاجل  ::: انهيار سعر صرف الجنية المصرى امام الدولار والعملات الاخرى