التخطي إلى المحتوى
أجندات غربية تخطط لتطبيع بين الإخوان والقاعدة ضد داعش

دبي فايف-يتحدث البعض من المراقبين هذه الأيام عن رؤية غربية جديدة ترى ضرورة التحالف بين تنظيمي الإخوان والقاعدة، واستبعاد تنظيم الدولة الإسلامية من المعادلة، وإعادة تقوية حركة الإسلام السياسي، وضبطها وتفعيلها، لتشكّل من جديد معارضة فعالة للأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية. ويرى أصحاب هذا الطرح أن جهود المعارضة المحلية للأنظمة أصيبت بانتكاسة خطيرة بسبب تنظيم الدولة الإسلامية، إذ صبّت ممارساته على الأرض في صالح الأنظمة، وأضعفت المعارضة على اختلاف توجهاتها.

ويبدو أنه لم تكن مصادفة، أن تزامن ما كتبه باراك مندلسون، الباحث بجامعة هارفارد الأميركية، في مارس 2015، مطالبا الولايات المتحدة باحتواء تنظيم القاعدة لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، مع مقال أحمد الراشد، أحد القيادات الفكرية التاريخية في التنظيم الدولي للإخوان، أكّد فيه حاجة الإخوان الآن للقاعدة، التي تسعي لتقديم هوية جديدة لها.

وتتلخص الرؤية الجديدة في أن دوري الإخوان والقاعدة يكمّل أحدهما الآخر في عملية احتواء وضبط الإسلام السياسي والجهادي، وفق الأجندات الأميركية والأطلسية، لتدعيم المعارضة المحلية للأنظمة؛ تلك المعارضة التي أصيبت بانتكاسة مع بروز تنظيم الدولة الإسلامية والذي تسعى جهود الكثير من القوى الآن إلى محاربته.

هنا، التقت مصلحة الغرب، الذي يسعي لإلحاق الهزيمة بداعش وتدعيم المعارضة الفعلية على الأرض مع مصلحة الإخوان الساعين إلى الخروج من مستنقع العجز، ومع مصلحة القاعدة الساعية لاستعادة مكانتها في مواجهة داعش، الذي خصم كثيرا من رصيدها وشعبيتها في صفوف الجهاديين لصالحه، لذلك تجري المساعي على قدم وساق لخلق “المشتركات” وتطبيع العلاقات بين الإخوان والقاعدة.

تقوم الصفقة المزعومة على ضمان الاستمرار للإخوان وضمان البقاء للقاعدة. ومردّها وفق الأطراف الداعمة لها أن استهداف القاعدة لن يؤدي إلى دحر الإرهاب، بل إلى ترجيح ميزان القوى لصالح الأنظمة الحاكمة، كما أن جماعة الإخوان تمرّ حاليا بمرحلة تفكك تستدعي معالجة غير تقليدية. وكان بيان الإدانة للموقف الروسي في سوريا، الصادر من جانب الاتحاد الأوروبي ومجموعة الحلفاء الغربيين، واضحا بشأن الالتزام بتدمير تنظيم داعش وحده، دون غيره.

وهناك جملة من الاعتبارات ومسوغات الاعتماد، التي قرّبت بين القاعدة وحلفائها الجدد، منها أداؤها في سيناء مع السكان المحليين ومحاولة إقامة علاقات طيبة مع القبائل لخلق حاضنة داخل البيئة السيناوية، لكن بعد تحول القاعدة لمبايعة داعش ساءت العلاقة، بعد العديد من حوادث القتل والاعتداء، ليفقد التنظيم أحد أهم عوامل قوته في الحالة المصرية.

وعزز ذلك، نجاحات القاعدة “النصرة-فتح الشام”، في إيجاد حاضنة شعبية في الواقع السوري، من خلال الاهتمام بالجانب المعيشي، دون التوسّع في المؤسسات العقابية، فضلا عن سوابق مراجعات القاعدة، بداية من سيد إمام ووثائق بن لادن وأبو محمد المقدسي، وليس انتهاء بالجولاني ومراجعاته السياسية، التي طرحت نموذجا يمكن تعميمه لفرع من القاعدة يدشن تجربة محلية، ولا يشنّ هجمات على المصالح الغربية، ويراعي التنوع الديني والمذهبي.

في ضوء تلك التطورات الإقليمية، تمكن قراءة دعوة القيادي الجهادي المصري المقرب من التنظيم الدولي للإخوان، والمقيم ببريطانيا، هاني السباعي، لتنظيم أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء) لنقض مبايعة داعش، والعودة لأحضان القاعدة، تحقيقا لأهداف مشابهة لأغراض الحالة السورية، وأخرى متعلقة بالشأن الليبي.

الإخوان يحاولون الخروج من مستنقع العجز، وتنظيم القاعدة يريد استعادة الدور والمكانة، والغرب يريد نهاية للحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية

وسبقت دعوة هاني السباعي، مدير مركز المقريزي بلندن، تجربة القيادي الجهادي والضابط السابق هشام عشماوي، الذي قاد مبكرا انشقاقا عن ولاية سيناء في اتجاه التمرد على إلحاق المشهد المصري بالجهاد العالمي والسعي لتنقية الحالة المصرية من العناصر الأجنبية.

وكان أداء أنصار بيت المقدس بعد مبايعة تنظيم داعش عاملا في استنفار الدولة المصرية لحرب موسّعة، حققت خلالها انتصارات كبيرة على الإرهاب في سيناء. وكان للعشماوي، الذي خطّط ونفذ أكثر العمليات الإرهابية شراسة في العمق المصري، وعلى رأسها محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق اللواء محمد إبراهيم، رؤية استشرافية عندما توقّع عدم تقبّل البيئة المصرية لاحتضان حالة جهادية عالمية، مراهنا على قيادات مصرية وشباب مصري، ومستخدما أدبيات “الجهاد” المصري ضد الأنظمة الحاكمة.

من هنا كان المغزى من وراء اختيار اسم “المرابطون” لتنظيمه القاعدي، حيث أن لهذا الاسم مكانة في أدبيات التيار الجهادي المصري الشغوف بتراث مجلة “المرابطون”، الذي احتوى أهم رموز الحالة الجهادية المصرية، أمثال رفاعي طه وطلعت فؤاد قاسم، وغيرهما، فضلا عن الشراكة مع يحيى رفاعي سرور، نجل أحد أهم مفكري ومنظري الجهاد المصري الشيخ رفاعي سرور.

حاول عشماوي استدعاء أدبيات الجهاديين المصريين، بمخاطبة الداخل المصري، واستنفاره على خلفية قضايا تخص الواقع المصري، مثل الدعوة للثورة على الظلم والفساد والطواغيت، فضلاً عن إثارة قضية القدس والمسجد الأقصى، وهي ملفات تهم الحالة المصرية، وتكاد تكون غائبة عن اهتمامات داعش وأولوياته المتعلقة بالخلافة وقتال الشيعة وإيران.

وعبّر هاني السباعي مؤخرا، على صفحته على تويتر بقوله “ندعو تنظيم بيت المقدس في سيناء لنقض بيعة البغدادي لأنه عراقي، والعودة لبيعة الظواهري، فهو مصري مثلكم وأنتم مصريون”.

وتتلخص أهداف السباعي، ومن قبله هشام عشماوي، في الرغبة في توظيف الصراعات الداخلية، والعداء الحالي بين التيار الإسلامي، بقيادة الإخوان، مع السلطة، لتدشين شراكة من شأنها بناء معارضة قوية للنظام، فهو يؤمن بأن الواقع المصري ليس مناسبا لنموّ داعش.

لا يوجد في مصر صراع مذهبي، ولا مؤسسات مدنية أو عسكرية طائفية يمكن اختراقها وتوجيهها، بقدر ما أن هناك انقساما بشأن الرواية الإخوانية والأخرى المناهضة لها

ولا يوجد في مصر صراع مذهبي، ولا مؤسسات مدنية أو عسكرية طائفية يمكن اختراقها وتوجيهها، وليس هناك انقسام شعبي ولا نخبوي بشأن داعش قبولا أو رفضا، بقدر ما أن هناك انقساما بشأن الرواية الإخوانية والأخرى المناهضة لها.

الحاصل أن شعبية تنظيم داعش متدنية جدا داخل مصر، منذ جريمة ذبح الأقباط في ليبيا، بالإضافة إلى فشل ولاية سيناء في إحراز أيّ تقدم، وعجزها عن احتلال بضعة كيلومترات في شمال سيناء لبضع ساعات، بالرّغم من الدعم اللوجستي والعسكري الهائل الذي حظي به التنظيم من جهات مختلفة طوال السنوات الماضية، كما أن الحاجة تضاعفت لهذا المسار بعد هزائم داعش في سوريا والعراق.

هذه الرؤية تدفع لمعاودة تقليب تفاصيل الأخبار من جديد، والنظر في وضع تفسيرات جديدة مغايرة للقراءة الظاهرية لها، إذ لا بد وأن هناك سبباً مقنعاً ودافعاً قوياً لاغتيال وتصفية الرموز المتشددة داخل “جبهة النصرة-فتح الشام” في هذا التوقيت، وعلى رأسهم أبو محمد العدناني وأمير إدلب أبو عمر سراقب.

كانت هناك، في المشهد المصري، ضربات نوعية غير مسبوقة، كبّدت ولاية سيناء خسائر فادحة على مستوى حصد أهم قيادات التنظيم وتدمير جانب كبير من تسليحه وعتاده، بما يوحي بحدوث اختراق أو تعاون ما، لتنفيذ تلك العمليات النوعية، ضمن أسرار لم تتكشّف كلها بعد، عن مرحلة محاولة تجفيف الجهاد العالمي والتوجه نحو المحلية وفرض التنازلات والشراكة والتعاون بين القاعدة والإخوان.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

X
عاجل  ::: انهيار سعر صرف الجنية المصرى امام الدولار والعملات الاخرى